الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

174

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأما وَتُجاهِدُونَ فإنه لإرادة تجدّد الجهاد إذا استنفروا إليه . ومجيء يَغْفِرْ مجزوما تنبيه على أن تُؤْمِنُونَ وَتُجاهِدُونَ وإن جاءا في صيغة الخبر فالمراد الأمر لأن الجزم إنما يكون في جواب الطلب لا في جواب الخبر . قاله المبرد والزمخشري . وقال الفراء : جزم يَغْفِرْ لأنه جواب هَلْ أَدُلُّكُمْ ، أي لأن متعلق أَدُلُّكُمْ هو التجارة المفسرة بالإيمان والجهاد ، فكأنه قيل : هل تتّجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم ذنوبكم . وإنما جيء بالفعلين الأولين على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال حتى يفرض المأمور كأنه سمع الأمر وامتثله . وقرأ الجمهور تُنْجِيكُمْ بسكون النون وتخفيف الجيم . وقرأه ابن عامر بفتح النون وتشديد الجيم ، يقال : أنجاه ونجّاه . والإشارة ب ذلِكُمْ إلى الإيمان والجهاد بتأويل المذكور : خير . و خَيْرٌ هذا ليس اسم تفضيل الذي أصله : أخير ووزنه : أفعل ، بل هو اسم لضد الشر ، ووزنه : فعل . وجمع قوله : خَيْرٌ ما هو خير الدنيا وخير الآخرة . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ تعريض لهم بالعتاب على تولّيهم يوم أحد بعد أن قالوا : لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى اللّه لعملناه ، فندبوا إلى الجهاد فكان ما كان منهم يوم أحد ، كما تقدم في أول السورة ، فنزلوا منزلة من يشك في عملهم بأنه خير لعدم جريهم على موجب العلم . والمساكين الطيبة : هي القصور التي في الجنة ، قال تعالى : وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً [ الفرقان : 10 ] . وإنما خصّت المساكن بالذكر هنا لأن في الجهاد مفارقة مساكنهم ، فوعدوا على تلك المفارقة الموقتة بمساكن أبدية . قال تعالى : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ إلى قوله : وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ [ التوبة : 24 ] الآية .